جلال الدين السيوطي

37

الإتقان في علوم القرآن

ومثال اطلاق الجمع على المفرد : قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ [ المؤمنون : 99 ] أي : أرجعني . وجعل منه ابن فارس : فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ [ النمل : 35 ] والرسول واحد ، بدليل ارْجِعْ إِلَيْهِمْ [ النمل : 37 ] وفيه نظر ؛ لأنه يحتمل أنه خاطب رئيسهم ، لا سيّما وعادة الملوك جارية ألّا يرسلوا واحدا . وجعل منه : فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ [ آل عمران : 39 ] . يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ [ النحل : 2 ] أي : جبريل . وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها [ البقرة : 72 ] والقاتل واحد . ومثال إطلاقه على المثنى : قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [ فصلت : 11 ] . قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ [ ص : 32 ] . فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ [ النساء : 11 ] أي : أخوان ، فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [ التحريم : 4 ] أي : قلباكما . وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إلى قوله : وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ [ الأنبياء : 78 ] . ومنها : إطلاق الماضي على المستقبل لتحقّق وقوعه ، نحو : أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 1 ] أي : الساعة . بدليل : فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [ النحل : 1 ] . وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ [ الزمر : 68 ] . وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ . . . الآية [ المائدة : 116 ] . وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً [ إبراهيم : 21 ] . وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ [ الأعراف : 48 ] . وعكسه ، لإفادة الدوام والاستمرار . فكأنه وقع واستمرّ ، نحو : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ [ البقرة : 44 ] . وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ [ البقرة : 102 ] أي : تلت . وَلَقَدْ نَعْلَمُ [ النحل : 103 ] . أي : علمنا قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ [ النور : 64 ] أي : علم . فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ [ البقرة : 91 ] أي : قتلتم . فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ [ البقرة : 87 ] . وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا [ الرعد : 43 ] أي : قالوا . ومن لواحق ذلك : التعبير عن المستقبل باسم الفاعل أو المفعول ؛ لأنّه حقيقة في الحال لا في الاستقبال ، نحو : وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ [ الذاريات : 6 ] . ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ [ هود : 103 ] . ومنها : إطلاق الخبر على الطّلب أمرا أو نهيا أو دعاء ، مبالغة في الحثّ عليه حتّى كأنه وقع وأخبر عنه . قال الزمخشريّ : ورود الخبر ، والمراد الأمر أو النهي ، أبلغ من صريح الأمر أو النهي ؛ كأنه سورع فيه إلى الامتثال وأخبر عنه ، نحو وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ [ البقرة : 233 ] . وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ [ البقرة : 228 ] . فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [ البقرة : 197 ] .